تقوم الهندسة الإنشائية على قاعدة أساسية مؤلفة من أربع خطوات رئيسية : دراسة المواد والطبيعة ثم نمذجة القوى الخارجية المؤثرة على المنشأ بسببها ثم تحليل الآثار الداخلية الناتجة عن تلك القوى بسبب ثبات المنشأ وأخيراً وضع التصميم المناسب لمقاومة هذه الآثار الداخلية وضمان سلامة المنشأ من الخروج عن الاستثمار أو انهياره .
نبدأ أولاً بدراسة المواد وما تسببه من أوزان ( أحمال ) شاقولية على المنشأ ، فلكل مادة وزن حجمي ( الوزن على الحجم كمعيار ) خاص بها ، تؤلف جميعها وزن المنشأ الواجب على الهيكل الإنشائي ( كالهيكل العظمي في جسمنا ) تحمله ، كما أن الطبيعة تؤثر بقوى على البناء ( فالثلج مثلاً يؤثر بحمل شاقولي رأسي على الأسطح الأفقية أو القريبة من الأفقية بينما يكاد يكون تأثيره معدوماً على العناصر الشاقولية ، والزلازل تُحدث اهتزازاً في أساسات البناء ، مما يولد قوى جانبية كبيرة تؤثر على استقراره .
بعد تحديد هذه القوى الخارجية (الناتجة عن الأوزان الذاتية أو الظواهر الطبيعية)، يتم تطبيقها على الهيكل الإنشائي الحامل للبناء والتي يجب أن يُوضع بذكاء حيث يكون شكله وتوزيعه متناغمين مع اتجاهات القوى للتخفيف من آثارها، ( فمثلا في المناطق ذات هطول ثلج كثيف تُصمم الأسقف مائلة بشكل كبير والتي تؤدي إلى التخفيف من أثر الثلج ، وفي حالة الرياح نحاول أن يكون الشكل الهندسي للبناء انسيابياً لحركة الرياح وليس معانداً لها أو مضخماً لأثرها كما هو الحال في تصميم برج خليفة مثلاً ) ....
نظراً لثبات المنشأ (أي كونه غير حر الحركة) وتعرضه لقوى خارجية فسوف يتولّد فيه آثار داخلية ( إجهادات وتشوّهات ) بهذا تصبح جميع عناصر المنشأ مجهدة ومتأثرة بهذه الآثار ( كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى ) ، وتنتقل الآثار من عنصر إنشائي إلى عنصر حتى تصل إلى مكان استناد المنشأ ( غالباً التربة ) ، ويأخذ كل عنصر حصته من الآثار الداخلية وفقاً لصلابته ( مادته وشكله الهندسي ) ، ففي الحالة التقليدية ينتقل الحمل من السقف إلى الجسور فالأعمدة إلى الأساسات فالتربة ....
يتمثل الهدف الأسمى للمهندس في ضمان أمان المنشأ، ويتحقق ذلك عندما تكون مقاومة العنصر الإنشائي أكبر من الأثر الداخلي المطبق عليه. تُحسب مقاومة العنصر بالاعتماد على شكله الهندسي وخصائص مواده وقدرته الحدية على التحمل. فمثلاً، نحسب مقاومة عمود من الخرسانة المسلحة بضرب إجهاد الخرسانة الأقصى المسموح به على الضغط في مساحة مقطعه العرضي، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير حديد التسليح .
أخيراً ... يجب أن يكون مسار نقل الحمل الداخلي أماناً ومستمراً دون انقطاع ، وأي خلل في هذا المسار يؤدي إلى تصدعات وتشققات في البناء وربما انهيارات كارثية ، والبناء الذي يصمد هو الذي يمتلك جملة إنشائية ذكية في تصديها للحمولات وليست قوية ومعاندة فقط ، فالزلازل تحتاج لمبانٍ مطاوعة وليس لمبانٍ صلدة فالأولى انهيارها غير فجائي ( لدن مطاوع ) والثانية انهيارها فجائي ( هش ) .
دمشق 13 شباط 2026
م.أحمد صبحي اللحام
رئيس مجلس إدارة
شركة اليسر للارتقاء العمراني